الاثنين، مايو 24، 2010

بلا رائحة




ترعرعت فى بيت كالثكنة العسكرية يستيقظ الجميع فى الفجر وتطفأ الانوار فى العاشرة مساء بعد ان يذهب اهل البيت الى الفراش
ماتت امها قبل ان تبلغ الخامسة فتعهدها ابوها برعايته  علمها ابوها الانضباط و  وقال لها انه لا يوجد مستحيل طالما توجد الارادة والارادة مادة خام قابلة للتطويع فقط عليك البحث عن الافكار المناسبة لزرعها فى الدماغ و ضبط النفس و الضغط على المكابح فى مواجهة متطلبات الجسد ، قال لها كونى نجمه فى السماء ابتعدى عن جاذبية الارض واحتكاك الهواء وقال لها ايضا ان الاخلاق هى القدرة على تحمل الالم وان طريق السعادة مفروش بالشوك
اعتنقت افكار ابيها  فلم تواجه اى صعوبات  لادراك التفوق فى الدراسة ، وبعد التخرج فى الجامعة اهداها ابوها مزرعة للورد والزهور تصدر منتجاتها الى اوروبا فكانت المفاجأة ان كل الورود والزهور بدون رائحة فهى معدلة وراثيا  بالتضحية بالرائحة مقابل الحصول على خصائص جديدة تحافظ على نضارة الورود والزهور لمده اطول ، اضطربت قليلا عندما علمت بان الزهور بلا رائحة ولكنها سرعان ما تصالحت مع نفسها وهزت كتفيها لامباليه بمسخ الزهور مادام الربح هو غاية العمل ، كانت الرائحة فى صوبة الزهور خليط منبعث من البيتومس والسماد العضوى وثانى اكسيد الكربون خانقه ولكنها تعايشت معها بل احبت الجلوس فى الصوبة منذ الشروق وحتى بعد العصر
كانت مولعة برقص الباليه فالتحقت بمدرسة  تحت اشراف  راقصة روسية عجوز كانت احدى نجمات البولشوى ايام مجده ، قالت لها الروسية ان الباليه حياة كاملة تسير فى نظام صارم لترويض الجسد والحفاظ على وزنه فلا جرام يزيد ولا جرام ينقص وان الطعام يجب ان يقنن فيمد جسدها بالطاقة اللازمة للرقص فقط فصامت عن الاكل وانخرطت فى التدريبات الشاقة حتى اتقنت كل اساسيات اوضاع القدمين الخمسة والدوران ووضع الصندوق وتحديد الاتجاهات وكانت اسعد لحظاتها التى تعيشها داخل الغرف ذات المرايا والارضيات الخشبية ورائحة عرق اجساد الراقصين القوية التى تعبق الجو
عندما طرق خطابها على الباب اعد ابوها جدولا وازن فيه بين ميزاتهم وعيوبهم من وجهة نظر عملية سهلت عليه اختيار رقم واحد فى القائمة
قبل الزواج قرأت كل ما استطاعت الحصول عليه من دراسات عن الزواج والعلاقة بين الرجل والمرأة وكانت الخلاصة هدفان سعت لتحقيقهما للنجاح فى الزواج ، الهدف الاول الحفاظ على جمال ورشاقة جسدها وهذا سهل المنال لانها فعلا ذات جسد راقصة الباليه والثانى الحفاظ على التماس وليس التقاطع بين نطاقات الفلك الخاصة بها وبزوجها
استطاعت ان تحافظ على التوازن فى حياتها بين بيتها وعملها و رقصها و ادرك زوجها مبكرا انها قد اغلقت نفسها وعقلها دون محاولاته اختراقها فاكتفى بعلاقتهما فى الفراش و مرافقتها فى دعوات العشاء مع الاصدقاء ، وكانت قد اشترطت عليه تأجيل الانجاب حتى تكون مستعدة وكانت ترفض اتباع وسائل منع الحمل التقليدية واتفقا على تجنب اللقاء فى فترات التبويض فاحتفظت بمقياس الحرارة بجوار الفراش تمتنع عنه عند ارتفاع درجة حرارتها
وحين تقيئت ذلك الصباح وهى تعد القهوة وتيقنت انها حامل نزل عليها الخبر نزول الصاعقة وبدت حياتها تنهار امام عينيها
طار زوجها وابوها من الفرح و احاطاها بالرعاية والتدليل ولكنها دخلت فى اكتئاب حاد  عندما غضبت منها الروسية العجوز و اتهمتها بضرب فرقة الباليه فى مقتل ، اقامت فى صوبة الورد البلدى والزهور وامتنعت تقريبا عن الاكل وعندما  وجدوها ملقاه على الارض السبخة فاقدة الوعى وادخلوها العناية المركزة قال الاطباء ان استمرار الحمل قد يؤدى الى فقدانها الحياة وكانت فى الشهر الثامن فقرروا توليدها بعملية قيصرية وادخال الجنين المبتسر حضانة تساعده على الاستمرار فى الحياة ، خرج الجنين مشوه بدون اصابع لليدين والقدمين وعندما رأته فى الحضانه هربت من المستشفى و ذهبت الى المزرعة فجلست فى صوبة الورد والزهور  وفتحت الحاسب النقال وكتبت “ لقد عشت مثل وردة بدون رائحة “
ثم نامت على ارض الصوبة وقطعت شرايين معصمها ، اختلط دمها مع السماد والطين الصناعى فتصاعدت رائحة جديدة

هناك 9 تعليقات:

dr aly khamis يقول...

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
ا / راجى
لقد عاشت و ماتت بلا رائحة ...و بلا روح
جميلة القصة .. و عميقة.. و اسلوبها سهل و ممتع
جزاك الله خيرا
تحياتى

Haitham هيثم Al-Sheeshany الشيشاني يقول...

أعجبني و أحزنني -قليلا ً- ما كتبت.
قصة جميلة.

راجى يقول...

دكتور على خميس
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
شكرا جزيلا وانا جد سعيد باعجابك

راجى يقول...

استاذ هيثم
لك الشكر والعرفان صديقى العزيز

فارس عبدالفتاح يقول...

اعتقد ان هناك مفارقة في جوهر القصة فاذا كانت قد نشأت على العسكرية فان نهاية القصة تتنافى مع هذه النشأة

هذا من وجهة نظري فكان عليها التعامل مع المشكلة بعقلية عمليه موضوعية


ثانياً : العسكرية لا تعني ان يكون هناك انحدار في القيم فان العسكرية لا تعني ( الميكافيلية ) بحيث ان المكسب هو الهدف والقيمة ليست مهمة .. اعتقد ان هذه من الامور السياسية فقط وهو نوع رديئ من السياسة

فان العسكرية هي تحقيق القيمة بانضباط وصرامة وليس التخلي عن القيمة مقابل المكاسب الآنية

انظر ( خلية النحل ) .. مع الاحترام


مع أن هناك مدرستين في مختلفتين حول القيمة فهناك مدرسة تقول :

القيمة في جوهر الشيء نفسه سواء كان بمعزل عن ( الوعي أو اللاوعي ) للانسان واحتياجاته لهذا الشيء ... وانا اعتقد واميل الى صحة هذه النظرية


والثانية تقول :


أن القيمة تأتي بمدى المنفعية من هذا الشيء وهي من تحدد قيمته وليس في جوهر الشيء نفسه ... وانا اعتقد بخطأ هذه النظرية


واخيراً :


اذا لم ينتج عن جوهر القيم ، قيمة حقيقية تترجم في خط مستقيم مع الصرامة والدقة

فهناك خلل في ( البناء الفوقي ) .. في الكيان البشري والمجتمع ككل


مع اطيب التمنيات ،،


فارس عبدالفتاح .. قومي عربي

راجى يقول...

استاذ فارس
شكرا على التعليق

Sharm يقول...

اختلف مع الاستاذ فارس ..
فقيمة الذهب اكبر من قيمة الماء عموما و لكل بالنسة للانسانية الماء اهم كثيرا و لذلك يجب ان لا نفصل بين الوعي ولا الوعي و القيم لان القيم تتغير بتغير الوعي

راجى يقول...

شارم
الحدوته تدور حول نظرة الحداثه الى الواقع وتجريده من القيمة
فى هذه المنحى تتحد الحداثة مع داروين فى ان المنافسة هى القوة المحركة للناس فى المجتمع حيث الانسان هو محور الكون والمرجعية الوحيدة فيه مع تجريد كل شيء من قيمته لصالح المنفعة واللذة
كذلك فان ارادة الانسان هى بديل عن اخلاقه
وشكرا

norahaty يقول...

وردة بلا رأئحة!
ولكنها فى العمق
أنسانة لم تحتمـل
حياتها حين رأتها على
حقيقتها فى صورة الوليد
المشوه !