الخميس، يوليو 29، 2010

العقبة

اقترب الكهل وهو يسير الهوينى على ممشى نادى الضاحية المظلل بالاشجار وكان يحمل حقيبة فى يد وكيس بلاستيكى فى يده الاخرى كما لو كان يحفظ توازنه اثناء سيره
جلس على المقعد الخشبى فى مواجهتى و اعطى ظهره لى وكنت منكبا على كتابى اقرأ قليلا ثم ارفع نظرى عندما اسمع وقع اقدام السائرين امامى اتطلع اليهم ويتطلعوا الى ثم اعود لكتابى
كنت ارى وجهه عندما يلتفت الى اليسار وقد تعلقت بصفحته قطرات العرق وشعرت كما لو كنت قد رأيته من قبل ولكن ذاكرتى لم تسعفنى
الان دار برأسه وهو يبتسم وقال
- الرطوبة اليوم تصل الى تسعين بالمائة
- فعلا؟
- هل تعرف انهم فى روسيا قد اعلنوا حالة الطواريء بسبب الحر ؟
-لا ، ولكن الجو هنا لطيف تحت الاشجار
-نعم
نظرت اليه فى انتظار ان يواصل الحوار ويصل الى هدفه من الكلام معى، مجرد الدردشة او طلب مساعدة ولكنه لم يقل شيئا بل قام وواصل سيره المترنح على الممر
تابعته وقد شعرت بالندم يتسلل الى قلبى ، لماذا عجزت ان ابقيه للتعرف عليه وتبادل الكلام معه فأنا اؤمن ان الصدف ليس لها مكان فى الحياة وان كل شيء مقدر ومدبر وان هذا الرجل قد جاء يحمل رسالة الى وقد فشلت فى اقتحام العقبة التى طالما وقفت حائلا بينى وبين التواصل مع الناس والان منعتنى من تلقى رسالة  قد تحمل بشرى او خبرا من عالم الغيب وتركتنى اعانى ذلك الشوق الابدى لكى امد يدى كما فى لوحة مايكل انجلو لتلمس يد كائن اخر
كانت الدهشة تصدمنى دائما اذا ركبت قطارا او حافلة ورأيت السهولة التى يتعامل بها الناس مع الاخرين من الغرباء ، مباشرة ما ان يجلس شخص بجوار اخر حتى يبدأ بينهما حوار وانا حريص على تجنب الاخرين ولا يفوتنى ابدا اصطحاب جريدة او كتابا فى رحلتى  ذريعة لانشغالى
ولقد عملت مع اشخاص اكثر من خمسة عشر عاما فى نفس المبنى بل فى الحجرات المجاورة لحجرتى دون تبادل كلمة واحدة معهم او حتى معرفة اسماؤهم
وانا اكلم القطط والكلاب والعصافير ولا اشعر بالخجل  فقد ارى قطا فينظر الى وانظر اليه ثم اوجه له كلاما يتبعه مسحة على الظهر يرفع لها ذيله ثم يمسح جسمه فى ساقى  وقد يحط غراب على مائدتى فاقرب له بعض الخبز او السكر فيقفز مقتربا ليأكل بدون خوف ، هززت رأسى ونظرت ابحث عن الرجل الذى ابتعد ولكن ليس كثيرا فاحتشدت وقمت مسرعا خلفه لعلى اقتحم العقبة


الجمعة، يوليو 16، 2010

عزلة


نجح فى غزل شرنقته التي تعزله عن الناس ، نوافذ بيته القديم فى وسط المدينة صار لها الواح زجاجية مزدوجة ثابته يتطلع الى الناس فى الشارع من خلفها ولا تصله اصواتهم ، يراقبهم يمشون كسالى تعلو وجوههم غبرة يتخبطون ويتعثرون يلوحون بايديهم ويتلامسون  ، عندئذ يشعر بالوهن يتسلل الى جسده فيسحب الستار الثقيل لينطفيء الشارع ويستديرالى غرفته المعزولة ليستلقى على كرسيه بجوار المصباح ذو الغلالة الصفراء ثم يغرق فى صفحات كتابه حتى ينام
فى الصباح ، يصدر الصوت الخافت للجهاز  المتصل بباب البيت الحديدي  فيضغط الزر ليدخل النوبي الشيخ ذو الجلباب المقلم والعمامة ناصعة البياض ، عندما ينتهى النوبي من صعود درج السلم يكون هو خلف الباب فى بزته القديمة ورابطة العنق السوداء مستعدا للخروج فى نفس اللحظة ، يهز راسه وبدون كلمات يدخل الشيخ النوبي الوحيد الذى يثق فى انه سيؤدى المطلوب منه من نظافة واعداد طعام فى الموعد المحدد ثم يغادر البيت قبل عودته بعد ان يأخذ مظروف الجنيهات القليلة  الذى يتركه له على الرف اسفل المرآة الكبيرة بجوار الباب
يدلف الى المرآب من الباب الداخلي  ليفتح الباب المؤدى الى الشارع اعلى المنحدر ويقود سيارته الصغيرة  فيتصاعد دخان العادم الابيض من الانبوب الخلفي لينضم الى صفوف السيارات البطيئة فى نهر الشارع ، يرفع زجاج النافذة بالرغم من حرارة الجو حتى لايصل اليه الضجيج
بعد دقائق تصل سيارته بمحاذاة المقهى فى الميدان ينظر الى الجالسين على الموائد التي اصطفت على الرصيف   فلا يرى احد من اصدقاء الماضي ، لقد رحل الاصدقاء من المقهى كما رحلوا من حياته ، كم كانوا يمرحون ويصخبون ، كانوا يسيرون فى نهاية الليل عبر طرقات وسط المدينة الخالية حتى المذبح على مشارف الحى الشعبي فيجلسون الى احدى الموائد لتناول الكباب وسط الزحام ودخان الدهن المحترق المتساقط على جمرات الفحم ، كانت هناك فى تلك الليلة القمرية بعطرها الفواح الذى تسلل اليه بالرغم من رائحة الشواء التى تعبق الهواء ، يهز رأسه ليطرد اشباح الماضى
فى محل عمله يراقب مساعدته خلف القاطع الزجاجى تشير الى احد المرؤوسين يطلب رؤيته فيهز رأسه ملبيا الطلب ، يدخل المرؤوس فيراجع الاوراق التى وضعها امامه ثم يمهرها بتوقيعه ، تردد المرؤوس قليلا ثم قال
- هون على نفسك يا بك لقد مرت شهور
صوب اليه نظرة ارتجف لها المرؤوس وقام على الفور مرتبكا تتعثر خطواته الى الباب الزجاجى نظر فوجده يتبادل الحوار مع مساعدته
اه لو لم يدق الهاتف اللعين فى ذلك اليوم ، اه لوكان الشارع هادئا وخاليا من الناس والسيارات ، كل شيء تحالف ضدى ذلك اليوم
موجة جديدة عاتية من الذكريات تهاجمه ، عندما عبر اليه عطرها فى تلك الليلة القمرية التفت فوجد عيناها تفحصه بل تقرأه بجراءة غير معهودة بينما الرجل الاشيب الذى يجلس اليها مشغول بالكباب والثرثرة
عيناها السوداواتان لهما عمق كبئر بدون قاع تحت حاجبان مزججان وحولهما الظلال الكستنائية بلون شعرها القصير على الطريقة الفرنسية وقد افترقت شفتاها الشهوانيتان لتكشف عن ذلك الفارق الجميل بين اسنانها الامامية ، نظر الى اصدقائه وهتف ضاحكا
- ما احلى الوقوع فى الحب
لكزه صديقه وطلب منه ان يصمت
- الا تعرف الرجل الذى ترافقه ؟
- لا اهتم
- انه سفيرنا فى تلك الدولة الاوروبية
قامت الى دورة المياه فتبعها ووقف حائلا بينها وبين المرور فى الممر الضيق
- من انت ؟ من اى كوكب هبطتى لتأسري روحي ؟
اقتربت منه حتى التصقت به وهمست فى اذنه
-  بعثت فتنة للرجال
- صدقتى
- ولكنى لست حرة واخاف من الرجل فله نفوذ وسلطان
- ستكونين حرة
تبادلا ارقام الهواتف وافترقا
عاد الى اصدقائه فحكى لهم  وبينهم صحافي مجتهد وعده بأن تكون خالصة له
بعد يومين نشرت الصحيفة خبر فى صفحة المجتمع تحت عنوان
" السفير فلان يتناول الطعام  مع ابناء الشعب "
وفى تفاصيل الخبر ابرز الصحافي ان سعادة السفير كان بصحبة احدى السيدات والتي خلبت لب المواطنين بجمالها و نعومتها وان وجودهما فى المطعم الشهير بالحى الشعبي بالقاهرة خير دليل على التحام الحكومة بالشعب
فى نفس يوم نشر الخبر تم استدعاء السفير الى مقر الوزارة وصدرت له الأوامر بأن يقطع علاقته بتلك السيدة
اتصلت به  لتعبر له عن اعجابها بذكائه وسعة حيلته واتفقا على لقاء عاشا بعده فى غرام صادق دام شهورا ثم تزوجا وقنعت بالمكوث فى البيت القديم ثم حملت فزاد حبه لها والتصاقه بها وشرعا فى كتابة قائمة باسماء المولود المنتظر
افاق من الذكريات وانهمك فى عمله حتى انصرف كل المرؤوسين فصرف مساعدته ثم خرج مهرولا لا يلتفت الى رجال الامن على المدخل واستقل سيارته وقد انسدل الغروب على المدينة
يعود مرة اخرى الى مقعده بجوار المصباح ذو الغلالة الصفراء ويفتح الكتاب على نفس الصفحات التى لم تقلب منذ رحيلها ، يراها قادمة وهى تهرول من المطبخ وفى يدها الهاتف يأخذه منها وهو بجوار النافذة التى تحمل ضجة المدينة الى داخل الغرفة فلم يتبين صوت الانفجار المكتوم الصادر من المطبخ
كانت قد اهملت احكام غطاء قدر الضغط لتسرع له بالهاتف وعندما عادت تعمل بجوار الموقد زاد ضغط البخار داخل القدر فطار الغطاء وارتطم برأسها كالقذيفه فسقطت على ارض المطبخ فاقدة الوعى
ناداها فلم ترد عليه ولما ذهب الى المطبخ ووجدها راقدة على الارض والدماء تسيل من جبهتها وتصبغ عيناها وشفتيها اسرع الى الشارع وصرخ فى الناس طالبا النجدة ولكنها كانت قد فارقت الحياة
فى سرادق العزاء وقف يصافح المعزين ثم وقف امامه رجل لم يمد يده ليصافحه فرفع بصره اليه فكان سعادة السفير فى مواجهته يبتسم له ، صرخ فى رعب وانطلق يجرى لا يلوى على شيء
سقطت رأسه على صدره وراح فى النوم وهو جالس على مقعده بجوار المصباح ذو الغلالة الصفراء وفى حجره الكتاب المفتوح على نفس الصفحات منذ شهور فى الغرفة الهادئة المعزولة




الثلاثاء، يوليو 06، 2010

صديقى العزيز



مر بسنوات قد تدفع ذو مشاعر حساسة كالتى لديه الى قتل نفسه ، فلم يكن يتصور يوما ان يعيش فى بيت لا يضم طفليه ولكن اخيرا تحققت اسوأ احلامه ، وعندما دعانى الي فيلته الجديدة البسيطة جدا والجميلة جدا بواجهة مكسوة بحجر الهاشمة الفاخر المنحوت من الكيلو 60 بالقطامية المركب كبس هواء على يد المعلم سيد بندق اشهر معلم هاشمة فى شق التعبان ، دلفت من باب المدخل الارو الماسيف ثم  اخذنى مباشرة الى غرف النوم ذات الابواب الحشو  باللون القرمزى الداكن والخردوات النحاسية الايطالية  واحدة لمريم والاخرى لعمرو  فغلبته دموعه وسقطت على الارض الملساء وتكورت كحبات الزئبق من فرط التوتر ثم اشار الى خزانات الملابس الفارغة التى ينبعث منها رائحة زيوت الخشب الزكية بيد ترتجف فجذبته من كمه وقلت له اين المطبخ دعنا نصنع شايا
فى المطبخ البكر الذى لم تدخله انثى شغل غلاية الماء وعرض على انواع الشاى ايرل جراى بالياسمين او القرنفل عندى كل النكهات نظرت اليه باسما فانا اعرف ان الامر سينتهى بنا الى كيس من شاى ليبتون فى كل كوب ذلك اجمل وكذلك ارخص ، فصديقى الذى عرفته منذ اكثر من عشرين عاما حريص جدا فى انفاق النقود وهو يعترف بذلك فى كل المناسبات بطريقته المرحة المحببة، وحرصه الزائد على النقود له ما يبرره فقد حكى لى انه لم يرث مليما من ابيه سليل البشوات وانه اى ابيه كان ينفق بلا حساب وترك اسرته من بعده تعانى الفقر والضنك خلف ستار من السمعة البراقة الكاذبة التى فاقمت من ازمة الاسرة فكانوا يجوعون اياما لتوفير ثمن حذاء الباليه لاخته الصغيرة او لتنجيد فوتيهات الانترية او تدبير مصاريف المصيف ،وتربى صديقى على تقدير النقود واحترام مصدرها وعمل بهمة وجدية لزيادة دخله و تحقيق اهدافه  و عندما قرر الزواج اصر على ان لايكون هناك حفل زفاف مقنعا اسرة العروس بان هناك اوجه اخرى لانفاق النقود اهم من حفلات لا جدوى لها، 
عاش مع زوجته التى كانت تحبه بجنون فى سعادة فلم تهتم كثيرا بحرصه على النقود وفى الواقع لم يكن صديقى بخيلا فى يوم من الايام فهو ينفق نقودا كثيرة للحفاظ على مظهر اسرته ووضعه الاجتماعى ، ولست اعرف بالضبط السبب الرئيسى لخلافهما ولكنها كانت تعاقبه بقسوة فى كل مرة يحتدم بينهما الخلاف فتهجر الفراش لاسابيع قد تمتد الى شهور طويلة فى نفس الوقت كانت تمعن فى انفاق مبالغ كبيرة من النقود على امور تافهة فقط لاغاظته وبالطبع كانت تصيب الهدف ، وفى نهاية كل خصام طال او قصر كانا يجلسان سويا لعقد صفقة مالية تكون هى الطرف الرابح فيها قبل استئناف حياتهما الطبيعية
ويبدو ان بداية النهاية بينهما كانت عندما صارت ناجحة فى عملها فهى مترجمة معتمدة للوثائق كما انها تطلب للمؤتمرات للقيام بالترجمة الفورية فتدفقت عليها الاموال واصبحت تسافر بعيدا لاياما وليالى ويضطر هو لترك عمله والعناية بالاطفال وكان يعول دائما على كسب ود الطفلين وحبهما تحسبا لاى نزاع مستقبلى قد يؤدى الى الطلاق  وذلك بتدليلهما الزائد ولكن مع الوقت واستمرار الخلافات تعرض الاطفال لمشاكل نفسية عميقة 
كان يحكى لنا نحن اصدقاؤه المقربين تفاصيل مشكلته مع زوجته اذا سافرنا فى رحلات العمل خارج القاهرة وكنت اعشق رحلات العمل تلك بصحبة صديقى الذى يشع علينا مرحا وبهجة فتارة يقلد اسماعيل يس او القصرى او يعلو صوته فى منتصف الليل مغنيا عووووكل واحيانا يغازل فتاة الاستقبال فى الفندق حتى تحمر وجنتاها ويبدو ان الغربة تساعد على الحكى وفى حالة صديقى هذا فلا خطوط حمراء لحكاياته ولطالما اعجبت بشجاعته وصراحته عندما يحكى فينطلق لسرد كافة التفاصيل التى لو كنت مكانه لتحرجت فى سردها ولكن ظرفه وحسه الكوميدى الساخر كان يحول الماساة الى ملهاة نضحك لها حتى تدمع اعيننا 
عبرنا بجوار غرفة النوم الرئيسية شاسعة المساحة بحمام الجاكوزى المتناثر حوله قطع غشيمة من جرانيت اسوان وغرفة تبديل الملابس ذات الخزانة المصنوعة بورق الشيش الابيض مرورابغرفة المورننج كوفى ذات القبة السماوية بالواح البولى كربونيت ثم نزولا الى غرفة المعيشة على مستوى الحديقة الخارجية التى يفصلها عن الداخل قاطع جرار من الزجاج و قطاعات الومنيوم ايجيبيل الثقيل  ليكون سقفها بضعف الارتفاع العادى للغرف الاخرى وارضية من ترابيع رخام  الجلالة السيناوى المصرى الجميل وقد وضع فى احد الاركان البيانو القديم لوالده وفى الصدارة شاشة لتلفزيون عملاق امام  المنضدة التى جلسنا اليها نحتسى الشاى ولم ينسى صديقى على عادة المصريين ان يشعل البخور من شر اى حسد قد يعتمل فى صدرى ولم انس ان اردد بسم الله ماشاء الله عدة مرات بصوت عالى لنفى اى تهمة حسد قد تجول فى نفسى 
الان قل لى ما الجديد فى حكايتك ؟ هكذا سألته فقال ان الحياة مع زوجته قد اصبحت عذاب لكل منهما وللاطفال وانه اخيرا قرر الانفصال فترك البيت فى المعادى وانتقل الى هذه الفيلا داخل كومباوند فى التجمع الخامس وان هذا القرار قد تأخر كثيرا فهو الان ينعم بالامان و الاستقرار لاول مرة منذ سنوات الخلاف و توتر الاعصاب وهو يريد ان يأخذ رأيى فى مشروع زواج جديد 
وعندما سألته عن زوجته الحاليه قال انه سيطلقها فور اعلان خطبته و حكى لى عن السيدة التى اختارها للزواج فاذا هى جارته الارملة صديقة زوجته وهى سيدة لعوب ذات جمال صارخ
 قلت له انك غير جاد فى تفكيرك 
نظر الى مثل الطفل الذى ضبطته امه وقد وضع اصابعه فى برطمان المربى و لوث ملابسه وضحك عاليا فقلت له انه اختار اخر امرأة تصلح للزواج فهى قدتصلح للحب والغرام والمواعدة ولكنها ابدا لا يمكن تصورها زوجة وأم وانه قد اختار صديقة زوجته فاذا شاع الخبر هرولت اليه زوجته معتذرة ونادمة يا عزيزى انت لازلت تحب زوجتك فعد اليها 
بعد شهر من هذا اللقاء اتصل بى واخبرنى بموعد عقد قرانه على سيدة فاضله قد وفقه الله فى العثور عليها  فتمنيت له السعادة وتمنيت للعروس -فى نفسى -ان يلهمها الله الصبر على ما ستواجهه فى المستقبل مع صديقى العزيز

السبت، يونيو 19، 2010

كرة القدم


كرة القدم لعبة الرجال لامجال فيها للنساء الا قليلا وهى  داروينية بامتياز يدوس فيها القوى على الضعيف بل يسحقه سحقا تاركا اياه منبطح على الارض ليشق طريقه الى المرمى ليسجل نقاطا جديدة للشهرة و دولارات اضافية لرصيده فى البنك فى نفس الوقت الذى يرفع فيه يده بحركة جنسية بذيئة يعاقب عليها القانون فى ظروف اخرى معبرا عن فرحته بالهدف ثم يسجد على الارض او يرسم علامة الصليب على صدره .
 كل فريق من اللاعبين المحترفين يخوض المباريات طبقا لخطة تشبة الخطط العسكرية فى الهجوم والدفاع حيث يتمركز اصحاب العضلات فى الخلف واصحاب الذكاء فى المنتصف اما الهجوم ففيه اصحاب المهارة والسرعة لتسجيل الاهداف
ويؤازر معظم الفرق جماهير متعطشة للدماء وللمتعة المتوحشة بلا حدود مدججين بالشماريخ والزمامير والطبول وقد صبغوا وجوههم بالالوان مثل مقاتلى القبائل فى الغابات ومن الملاحظ ان الكثير من الجماهير فى المدرجات لا يكفون عن الصراخ والرقص مما يجعل من المستحيل عليهم متابعة اللعبة والاستمتاع بها فهم فقط فى انتظار الاهداف التى تسجل فيصابون بالذهول من شدة الفرحة او تتوقف قلوبهم من فرط الاحباط و فى كلتا الحالتين فانهم يميلون لمهاجمة جماهير الخصم بالسباب و السخرية وفى كثير من الاحيان بالحجارة والزجاجات الفارغة والكراسي ، هم يحتاجون هذا الصخب و العنف بالتأكيد لارضاء شيء ما فى نفوسهم
اللعبة ابعد ما تكون عن العدالة بل ان الظلم الذى يرتكبه الحكم اذا احتسب ضربة جزاء او طرد لاعبا لم يرتكب ما يستحق الطرد يعتبره المسؤلون جزء من متعة المباراة ولا رجوع عن قرارات الحكام ولو ثبت خطأهم وظلمهم وبينما يسعى المسؤلين عن لعبة التنس لتحقيق اكبر قدر من العدل باستخدام عدد كبير من الحكام الذين لا يجدون غضاضة فى الرجوع عن قراراتهم اذا ثبت خطأ تقديرهم و يتم تجهيز ملعب التنس بما يسجل بدقة كل التفاصيل و يرفض نظرائهم الكرويون ذلك بكل صلافة
التلفزيون اصبح اللاعب الاساسى فى هذه الرياضة بكل الاموال التى يخصصها  لبث المباريات على الهواء من اى بقعة على الكوكب الى كل الانحاء ثم يعود ليحصل عليها مع الارباح لعرض اعلانات المنتجات التجارية ، ويحاول المخرجين اضفاء ابعادا انسانية للعبة الدموية بتسليط الكاميرات على انفعالات اللاعبين والجماهير وان كانوا اخيرا تطرفوا فى ابراز الآم اللاعب المصاب بل ونصب اكبر عدد من الميكروفونات الحساسة لكى تصل صرخاته الى كل المشاهدين ثم متابعة  ما ينزفه من دماء  قبل علاجه ونقله الى خارج المستطيل الاخضر على نقالة الاسعاف الا يذكرنا ذلك بحلبات المصارعة و الشهداء المسيحيين ايام الامبراطورية الرومانية ؟
واخبار كرة القدم تزاحم اخبار الحروب والكوارث وانهيار البورصات فى عناوين الصحف ولا توجد جريدة تحقق مبيعات فى السوق الا وتخصص صفحات وملاحق لكرة القدم ونجوم اللعبة
و لكن بالرغم من كل المثالب لهذه اللعبة فان لها جانبا مضيئا وحيدا عندما تخرج الى الشوارع الخالية من السيارات والمارة وتتمتع بالمساحات الشاسعة بينك وبين الاخرين المنهمكين فى مشاهدة المباريات حيث يكون الدليل الوحيد على وجودهم صرخاتهم عند كل هدف يسجل او يضيع





الجمعة، يونيو 11، 2010

برقع الحياء



نجحت اخيرا فى اقتناص نسخة من كتاب بثينة محمود برقع الحياء بعد ما جبت مكتبات وباعة الصحف فى مصر الجديدة بلا جدوى ثم لم اجد مفرا من النزول الى وسط البلد حيث مكتبة عمر بوك ستور ( عمارة فلفلة بشارع طلعت حرب ) وكما يقولون لاجل الورد يتسقى العليق بالرغم من انى لا اعرف معنى لكلمة العليق ولكن هكذا يقولونها كناية عن بذل الجهد للحصول على  شيء له قيمة  عاليه
( الكتاب ثمنه 15 جنيها فقط ، يابلاش )
قرأت الكتاب فى ساعتين ولكنه يحتاج لشهور واعوام لكى تفحص كلماته وجمله وتهضمها وتتعلم منها كيف تفكر سيدة ذكيه معاصرة تعيش معك الاحداث اليومية التى تعيشها ومع ذلك فهى تحتفظ بمسافه بينها وبين قرائها ومحبيها لا يجوز اختراقها ، ولعل هذا الامر يروقنى اكثر من الاقتراب المباشر للرموز التى احبها فتبدو بشريتهم وتنتقص من عبقريتهم
وبثينه تحذر القاريء منذ البداية انها لا تكتب عن نفسها ولعلها كذلك وان كان من المستحيل على الاديب المبدع ان يفصل مشاعره واحاسيسه عن ما يكتبه فهو عصارة النفس وان كان مستمدا من تجارب الاخرين
و الكتاب يدور حول تسأولات و احاديث مع النفس لانثى او بمعنى ادق للانثى فى مجتمعنا المعاصر حيث ترى انها لاتكتمل الا بوجود الرجل الزوج والحبيب وصراعها معه ليشعر بمدى حبها له وتفانيها لاسعاده ثم يأسها منه فتقرر الفراق بعيدا عنه لتعود مرة اخرى للشعور بالنقص وعدم الاكتمال فتبحث عن رجل اى رجل لتكتمل ولو فقط فى عيون الاخرين ومن خلال كل هذا تبوح بمكنونات قلبها ومشاعرها وغضبها ورضاها ولكن من وراء برقع الحياء الجدير بالانثى ذات الحس الاخلاقى المثالى
تحية لبثينة على كتابها الرائع


الاثنين، مايو 31، 2010

منصّرون هزليون .......... و شياطين اخرون



تبث قناة البى بى سى العربية برنامج تحت اسم ما لايقال تتناول فيه قضايا تم اختيارها بعناية بحيث تكون كلها روافد لقضية واحدة يضعها البعض نصب اعينهم  وهى كيف تضرب الاسلام فى مقتل ، للوهلة الاولى قد يبدو هذا الحكم متسرعا وفيه مبالغة ولكن تأمل محتوى حلقات هذا البرنامج وطريقة التناول تؤكد ما ذهبت اليه انفا و باستعراض تفاصيل كل حلقة على حدة نكتشف الخيط الذى يربطها معا
على سبيل المثال حلقة عن ترقيع غشاء البكارة تصور الرعب الذى انتاب الفتيات اللاتى سقطن فى الزنا قبل الزواج فى مجتمع ( مجتمعنا المسلم طبعا )متزمت يقيد حرية الفرد فى اختيارته مما يدفعهن الى ترميم بكارتهن  والمطلوب كسب التعاطف مع الساقطات و تصويرهن كضحايا للمجتمع ( المسلم ) وهنا نرى الهدف بوضوح وهو ضرب فكرة العفة عند نساءنا وربط العفة بالتزمت الاسلامى وتقييد الحرية الجنسية التى لا يعترف بها الاسلام الا فى اطار الزواج الشرعى ولو نجحوا فى تفريغ مؤسسة الزواج من مضمونها فسوف يسقط المجتمع كله فى الفحشاء والمنكر 
( يرتبط الموضوع ايضا بقضايا تمكين المرأة  والجندر)
حلقة اخرى عن الشواذ من لوطيين وسحاقيات تسير على نفس النهج بتصوير هؤلاء كضحايا لمجتمع متزمت غير متسامح ولتسويق فكرة التسامح مع الشواذ فانهم مثل غيرهم يطلقون عليهم اسم المثليين لتخفيف وقع كلمة الشواذ او اللوطيين على اسماعنا بينما يصبح الافراد الطبيعيون ذوى الفطرة السليمة غيريين وهو وصف له وقع منفر على الاسماع   وواضح طبعا الهدف وهو زرع الشواذ ككيان فى المجتمع المسلم ليصبح لهم حقوق سياسية واجتماعية ومصالح اقتصادية تحميها امريكا واسرائيل واوروبا ثم  يتم قبولهم على مضض ومن ثم يمنحون حرية الفحشاء والاعتداء على اطفالنا ثم تقبل منهم بيانات صحفية تعتذر عن هذه الانتهاكات بنفس نمط اعتذار الفاتيكان عن اغتصاب القساوسة للاطفال وما هى فائدة الاعتذار والضرر قد وقع فعلا
حلقة ثالثة عن اليهود العرب الذين هاجروا الى اسرائيل بدعوى عدم استطاعتهم العيش فى مجتمع ( مسلم )لا يقبل الاخر   وكيف عاد احدهم الى لبنان ولكنه كان جنديا فى جيش الاجتياح الاسرائيلى على اتم استعداد لقتل جيرانه واصدقاء طفولته وهنا يهدف البرنامج الى تذكير المسلمين بسيف اسرائيل المسلط على الرقاب ومحاولة تغيير الحقيقة التاريخية للتسامح الاسلامى مع الاقليات النصرانية واليهودية
حلقة رابعة عن المتنصرون الذين تحولوا من الاسلام الى النصرانية بل ومن فرط ايمانهم الجديد وسعادتهم باكتشاف طريق الحق ( كما يزعمون ) تحولوا الى منصرين يتمترسون فى فضائيات التبشير وهى محاولات خائبة فاشلة لشخصيات كارتونية مثل زكريا بطرس الذى يسب الرسول الكريم وال بيته الاشراف ومثل الذى يسمى نفسه باحمد اباظة ويحاول التمسح فى عائلة الاباظية الذين لايعلمون عنه شيئا وهو يبث هراء مضحك من قناة الحقيقة( الشيء بالشيء يذكر فقد تم حجب قناة الرحمة الاسلامية بسبب تناول اليهود وعدائهم للاسلام ) من كاليفورنيا  لتنصير المسلمين وهو يعتقد انه يستطيع ذلك فى مده قياسية واللافت للنظر هو انتهاج سياسة السباب والسخرية من الاسلام ورموزه فى التبشير للمسيحية بعيدا عن تعاليم عيسى عليه السلام بالحب والتسامح مما يضمن بطريقة قاطعة عدم الاستجابة لتبشيرهم وهرائهم  وينطبق عليهم مقولة ان السحر ينقلب بالضرورة على الساحر ( الحقيقة ان الاسلام اكثر الاديان من حيث معدل الذين يتحولون اليه من اتباع الديانات الاخرى ) هذا بخلاف الصراع الناشب بين القنوات المسماة بالتبشيرية على الدعم المالى المتاح من جهات معلومة ، وقد اعترف  بعض الذين يدعون تحولهم من الاسلام الى المسيحية بالاغراء المالى الذى عرض عليهم للقيام بالهجوم على الاسلام ، ويبدوا بوضوح ان البرنامج يجاهد لزرع الفتنة بين المسلمين والنصارى
لقد تجاوزت قناة البى بى سى عن قواعد مهنة الصحافة والاعلام فى اجتزاء وجهات  النظر الاخرى او المحايدة  بحيث تبدو كأنها عرضت لكل الاراء بينما هى تتلاعب لتحقيق اهدافها الشيطانية لضرب مجتمعنا المسلم

الاثنين، مايو 24، 2010

بلا رائحة




ترعرعت فى بيت كالثكنة العسكرية يستيقظ الجميع فى الفجر وتطفأ الانوار فى العاشرة مساء بعد ان يذهب اهل البيت الى الفراش
ماتت امها قبل ان تبلغ الخامسة فتعهدها ابوها برعايته  علمها ابوها الانضباط و  وقال لها انه لا يوجد مستحيل طالما توجد الارادة والارادة مادة خام قابلة للتطويع فقط عليك البحث عن الافكار المناسبة لزرعها فى الدماغ و ضبط النفس و الضغط على المكابح فى مواجهة متطلبات الجسد ، قال لها كونى نجمه فى السماء ابتعدى عن جاذبية الارض واحتكاك الهواء وقال لها ايضا ان الاخلاق هى القدرة على تحمل الالم وان طريق السعادة مفروش بالشوك
اعتنقت افكار ابيها  فلم تواجه اى صعوبات  لادراك التفوق فى الدراسة ، وبعد التخرج فى الجامعة اهداها ابوها مزرعة للورد والزهور تصدر منتجاتها الى اوروبا فكانت المفاجأة ان كل الورود والزهور بدون رائحة فهى معدلة وراثيا  بالتضحية بالرائحة مقابل الحصول على خصائص جديدة تحافظ على نضارة الورود والزهور لمده اطول ، اضطربت قليلا عندما علمت بان الزهور بلا رائحة ولكنها سرعان ما تصالحت مع نفسها وهزت كتفيها لامباليه بمسخ الزهور مادام الربح هو غاية العمل ، كانت الرائحة فى صوبة الزهور خليط منبعث من البيتومس والسماد العضوى وثانى اكسيد الكربون خانقه ولكنها تعايشت معها بل احبت الجلوس فى الصوبة منذ الشروق وحتى بعد العصر
كانت مولعة برقص الباليه فالتحقت بمدرسة  تحت اشراف  راقصة روسية عجوز كانت احدى نجمات البولشوى ايام مجده ، قالت لها الروسية ان الباليه حياة كاملة تسير فى نظام صارم لترويض الجسد والحفاظ على وزنه فلا جرام يزيد ولا جرام ينقص وان الطعام يجب ان يقنن فيمد جسدها بالطاقة اللازمة للرقص فقط فصامت عن الاكل وانخرطت فى التدريبات الشاقة حتى اتقنت كل اساسيات اوضاع القدمين الخمسة والدوران ووضع الصندوق وتحديد الاتجاهات وكانت اسعد لحظاتها التى تعيشها داخل الغرف ذات المرايا والارضيات الخشبية ورائحة عرق اجساد الراقصين القوية التى تعبق الجو
عندما طرق خطابها على الباب اعد ابوها جدولا وازن فيه بين ميزاتهم وعيوبهم من وجهة نظر عملية سهلت عليه اختيار رقم واحد فى القائمة
قبل الزواج قرأت كل ما استطاعت الحصول عليه من دراسات عن الزواج والعلاقة بين الرجل والمرأة وكانت الخلاصة هدفان سعت لتحقيقهما للنجاح فى الزواج ، الهدف الاول الحفاظ على جمال ورشاقة جسدها وهذا سهل المنال لانها فعلا ذات جسد راقصة الباليه والثانى الحفاظ على التماس وليس التقاطع بين نطاقات الفلك الخاصة بها وبزوجها
استطاعت ان تحافظ على التوازن فى حياتها بين بيتها وعملها و رقصها و ادرك زوجها مبكرا انها قد اغلقت نفسها وعقلها دون محاولاته اختراقها فاكتفى بعلاقتهما فى الفراش و مرافقتها فى دعوات العشاء مع الاصدقاء ، وكانت قد اشترطت عليه تأجيل الانجاب حتى تكون مستعدة وكانت ترفض اتباع وسائل منع الحمل التقليدية واتفقا على تجنب اللقاء فى فترات التبويض فاحتفظت بمقياس الحرارة بجوار الفراش تمتنع عنه عند ارتفاع درجة حرارتها
وحين تقيئت ذلك الصباح وهى تعد القهوة وتيقنت انها حامل نزل عليها الخبر نزول الصاعقة وبدت حياتها تنهار امام عينيها
طار زوجها وابوها من الفرح و احاطاها بالرعاية والتدليل ولكنها دخلت فى اكتئاب حاد  عندما غضبت منها الروسية العجوز و اتهمتها بضرب فرقة الباليه فى مقتل ، اقامت فى صوبة الورد البلدى والزهور وامتنعت تقريبا عن الاكل وعندما  وجدوها ملقاه على الارض السبخة فاقدة الوعى وادخلوها العناية المركزة قال الاطباء ان استمرار الحمل قد يؤدى الى فقدانها الحياة وكانت فى الشهر الثامن فقرروا توليدها بعملية قيصرية وادخال الجنين المبتسر حضانة تساعده على الاستمرار فى الحياة ، خرج الجنين مشوه بدون اصابع لليدين والقدمين وعندما رأته فى الحضانه هربت من المستشفى و ذهبت الى المزرعة فجلست فى صوبة الورد والزهور  وفتحت الحاسب النقال وكتبت “ لقد عشت مثل وردة بدون رائحة “
ثم نامت على ارض الصوبة وقطعت شرايين معصمها ، اختلط دمها مع السماد والطين الصناعى فتصاعدت رائحة جديدة

الثلاثاء، مايو 18، 2010

مدينة الفئران



فى منتصف خمسينات القرن الماضي ، قام الدكتور كالهون بتجربته الشهيرة “ مدينة الفئران “ لدراسة تأثير الازدحام على السلوك الانساني
والتجربة  عبارة عن قفص تم تقسيمه الى اربعة اقسام بينها فواصل مكهربة وجعل وسيلة الاتصال بين اقسام القفص كباري تسمح للفئران بالانتقال من قسم الى اخر فوق الفاصل المكهرب   ، ولكنه ركب تلك الكباري بحيث يكون قسمان لهما كوبري واحد فقط كمدخل ومخرج وليس بينهما اتصال مباشر بينما القسمان الاخران كل منهما مفتوح على باقي الاقسام مثل الموضح فى الصورة

وضع فى اقسام القفص عدد من الفئران يتراوح بين 32 و56 وكان التصميم للقفص بحيث يسع كل قسم 12 فأرا بالغا ، وامد كل قسم بغذاء وماء بكميات كبيرة وبالطبع كان القفص بعيد عن اي تهديد فاصبح بمثابة الجنة للفئران ثم قام الدكتور كالهون باضافة فئران جديدة الى القفص حتى وصل العدد الى حوالى ثمانين فأرا وهنا طرأ تحول فى سلوك الفئران حيث نجح احد الذكور ومعه تسع من الاناث فى الاستئثار بنصف مساحة القفص اى بحجرتين من الحجرات الاربع ودافعوا عن حجراتهم فلم يستطيع باقى الفئران العبور اليهم
وهكذا انحشر سبعون فأرا فى حجرتين فقط فبدأ الذكور فى سلوك عدوانى بمهاجمة الاناث والصغار والذكور الخاملين ثم حدث تحول فى السلوك الجنسى فحدث هياج جنسى للذكور فاخذت تسعى خلف الاناث بوتيرة متصاعدة ثم تحول بعض الذكور الى الاتصال الجنسى بالذكور الاخرين
ارتفع معدل وفيات اناث الفئران ثم حدث تحول نوعى عند الاناث حيث توقفن عن الامومة بل وهاجمن صغارهن لقتلهم وعلى اثر هذا التحول مات 69 فى المائة من الفئران فى المنطقة المزدحمة من القفص
و الغريب ان الفئران الناجية من هذه التجربة عندما تم تعديل ظروفها المعيشية الى الافضل بتقليل الازدحام الى الحد المناسب لها استمرت فى سلوكها العدوانى ضد الاخرين وفى شذوذها الجنسى
وقد اجرى كالهون هذه التجربة كنموذج للسلوك البشرى فى الاماكن شديدة الازدحام وقد اثرت نتيجة هذه التجربة على تصميمات المهندسين المعماريين والمخططين للمدن وغيرهم بل واعتمدت وكالة الفضاء ناسا نتيجة التجربة فى ابحاثها
فيما بعد حاول العلماء تكرار التجربة على البشر فواجهتهم مشكلة كيفية قياس الانهيار الاخلاقى وانهيار الامومة والشذوذ الجنسي واخيرا  عام 1975نجح فريدمان فى اجراء تجربة مماثلة على طلبة الجامعة فلم تأتى النتائج مطابقة تماما للتجربة على الفئران حيث التحول فى السلوك تحت ضغط الازدحام لم يكن بالشكل الدراماتيكي الذى حدث للفئران واستنتج فريدمان ان الانهيار الاخلاقي عند البشر  لا يحدث من مجرد المعيشة فى احياء مكدسة بالبشر فحسب  بل من الالتحام الزائد و فرض ما لا يمكن تجنبه من علاقات تفاعلية مع الاخرين
وعندما اتأمل الكثافة السكانية فى مدينة القاهرة والتى تخطت المعدلات العالمية بمراحل يفرض السؤال نفسه ، هل نعيش فى مدينة الفئران ؟
 

الاثنين، مايو 10، 2010

فى مسألة التقدم












هذه ردة الى الخلف ، تلك هى التهمة المشهورة التى تنتظر من يعترض على نشر لبعض ما انتجه الانسان فى اطار ادبى  او فنى مزعوم من شعر او رواية او تصوير ويرى ان فيه كفر بعقيدته او خروج عن اخلاقه او انتهاكا  للاداب المرعية بين الناس  بحجة ان مثل هذه الكتابات تدعو الى التقدم  ، اى ان الخلاف هنا بين انصار التقدم  وانصار التخلف
فلو اردت ان اتأمل هاتان الكلمتان فى تجرد من ما لحق بهما من انطباعات فى اذهان الناس لوجدت انهما لا يدلان على شيء محدد يمكن ان يصيغ قانونا علميا يمكن ان نحتكم له بين خطأ وصواب او بين حق وباطل
اذن يجب ان تضاف كلمة مثل التقدم الى كلمات اخرى لتصبح جملة مفيدة مثل التقدم فى المكان بان ننتقل من الخلف الى الامام وعندئذ نجد اننا نواجه مشكلة اخرى فهذا الخلف وهذا الامام امر نسبى طبقا لمكان الذى يقف وينظر من بعيد الى الذى ينتقل من مكان لاخر فليس هناك فضل لمكان على مكان اخر
او هو التقدم فى الزمان اى الحركة من الماضى الى المستقبل اى الانتقال من شيء نعرفه او نظن اننا نعرفه الى شيء نجهله تماما
او التقدم هو الانتقال من حال يكون فيها الانسان عبدا لغيره او عبدا لغرائزه الى حال يصبح الانسان حرا مالكا لزمام امره ومتساويا مع الاخرين من بنى البشر وهو الانتقال من حال الانشغال العضلى على حساب العقل فى السعى الى الرزق والامان الى الحال التى يتاح له فيها المزيد من البراح ليتمكن عقل الانسان من الارتقاء  به الى مراحل هى اسمى واشرف
ولا نجد قانون يحكم قضية انتقال الانسان من حال العبودية لغيره او لغرائزه  الى حال السيادة مثل القوانين التى تنظم الظواهر الطبيعية على سبيل المثال فان قانون نيوتن الذى ينص على ان كل فعل له رد فعل مساو له فى القوة ومضاد له فى الاتجاه قد نشأ من تكرار هذه الظاهرة فى ظروف معينة فى كل مكان على سطح هذا الكوكب فاصبح مما يتفق عليه الناس ولا يثير بينهم جدلا ذو شأن ، فقضيتنا هذه لابد انها تدخل تحت نطاق القضايا الخلافية التى تتغير من زمان الى اخر ومن ثقافة الى اخرى
فلندع هذه القضية مؤقتا لنبحث قضية اخرى على علاقة وثيقة بالقضية الاولى التى تبحث فى التقدم والتخلف وهى قضية المحتوى او مضمون هذا الانتاج الانسانى  ولن يمكننا ان نبحث قضية المضمون قبل ان نتفق على تعريف مرض للفن او الادب ، فهل الفن والادب هو رصد للواقع اى نسخ الواقع كما هو او هو  تفكيك لهذا الواقع ثم اعادة النظر اليه عبر رؤية المبدع والاديب من خلال ثقافته التى تحولت الى عصارة نفسه كالدم الذى يجرى فى عروقه ؟ ثم يأتى المتلقى القاريء او المشاهد فيتذوق العمل الادبى بما وعى  من ثقافة وتربية فيحكم على العمل الادبى و الفنى من منظوره الخاص بانه عمل جيد او غير جيد يتفق مع اخلاقه او يتعارض معها ولا يستقيم فى حالتنا هذه ان نفرض ذوق معين على المتلقى ونصمه بالتخلف او نصفه بالتقدم اذا رفض او قبل العمل الادبى او الفنى المعروض عليه وهذه قضية خلافية اخرى لا يوجد قانون طبيعى ينظمها
ايضا هل القدم اى مرور زمن طال او قصر على الانتاج الانسانى يحصنه ضد النقد والرفض فقط لانه قديم او من الموروث الشعبى الذى ليس له مبدع معروف؟ لنتخيل ان شخص ما سطر على ورقة بيضاء بعض الشتائم البذيئة ثم طوى الورقة واغلق عليها صندوقا ثم بعد مائة عام اواكثر عثرنا على الصندوق هل نعتبر ان ما سطر على الورقة من كلام بذيء هو عمل فنى يجب الحفاظ عليه ومن ثم نشره على الناس فقط لانه قديم ؟ وهل القدم فى حد ذاته يضيف قيمة ما على هذا الكلام البذيء المسطور على الورقة القديمة؟ هذه ايضا قضية خلافية لا يوجد قانون طبيعى ينظمها بين الناس
اذن ما هو القانون الذى يمكن ان يحتكم اليه فى  تلك القضايا الخلافية التى ناقشناها  ما هو المقياس الذى نحكم به على ما يفيد قضية التقدم بانتقال الانسان من حالة العبودية لغيره ولغرائزه وفى نفس الوقت نحكم به على قضية الادب والفن وما هو معيار الادب والفن الذى يمكن ان يتذوقه الناس الذين ينتمون الى ثقافة ما بدون تعارض مع عقيدتهم التى هى قوام حياتهم ومع الاخلاق التى يرون انها رفيعة
لابد ان نستخلص هذا القانون و هذا المعيار من مرجعية العقيدة نفسها التى تدفع الانسان للترقى من حالة العبودية  للغير وللغرائز الى حالة الحرية وملكية زمام امره وتساويه مع غيره من بنى البشر طبقا لشريعة العقيدة ومن مرجعية الاخلاق  الرفيعة نفسها التى شكلت ذوق المتلقى للعمل الادبى او الفنى  والتى  تجعله يقبل الابداع الانسانى او يرفضه طبقا لقانون الاخلاق












السبت، مايو 08، 2010

الانتخابات البريطانية


ماهى الدروس المستفادة من الانتخابات الانجليزية الاخيرة؟
اولا - اعطاء فرص متساوية للاحزاب المعارضة لعرض برامجها ليس هذا فقط بل قبول جوردون براون ولاول مرة فى انجلترا التناظر العلنى امام جمهور مشاهدى التلفزيون مع منافسيه و قد استطاع رئيس الحزب الديموقراطى الليبرالى نيك كليج كسب قلوب الانجليز ولكن كاميرون زعيم حزب المحافظين  استطاع كسب عقولهم
ثانيا - استطاعت كل الاحزاب المتنافسة حشد جماهيرها (45 مليون ناخب صوت منهم حوالى 30 مليون اى نصف عدد سكان المملكة المتحدة ) التى تزاحمت  للتصويت فى يوم واحد حتى العاشرة مساء موعد اغلاق الصناديق بينما لم يستطيع الكثيرين التصويت لتاخرهم فى الحضور 
ثالثا - قد يخسر حزب الانتخابات ولكنه لا يخسر احترام الناس له فقد فاز جوردون براون فى دائرته عرفانا للخدمات الجليلة التى قدما للبريطانيين ولن تصدر الصحف المواليه للمحافظين تلقى التهم جزافا على العمال ولن تخرج الفضائيات تعرض سلبياتهم بل سيكون الشعور العام هو دعنا ننظر ماذا يحمل الغد لنا ولندع امس وراء ظهورنا وهذا هو الخروج المشرف والامن من الحكم 
رابعا - فاز حزب المحافظين بغالبية لا تؤهله لتشكيل الحكومة وحده (راجع ممارسات سرور فى البرلمان المصرى الوحيد ربما الذى يصوت فيه النواب برفع الايدى بدون لوحة الكترونية تسجل عدد اصوات الموافقين وعدد المعارضين وعدد الممتنعين عن التصويت ولكنه فى كل مره وبدون ان ينظر للنواب يقول موافقة وينتقل الى جدول الاعمال ) نعود الى حزب المحافظين الذى اضطر للتفاوض مع الحزب الديموقراطى الليبرالى لتشكيل الحكومة منافسى امس هم حلفاء اليوم لصالح كل الشعب، بينما ينتظر حزب العمال نتيجة التفاوض فلو فشل التفاوض تفاوض هو مع الديموقراطيين الليبراليين يعنى اخر شياكة 
خامسا - الخاسر الوحيد فى هذه الانتخابات هم انصار القضية الفلسطينية بخروج جورج جالواى من البرلمان 
هذا هو الحراك السياسى سيداتى انساتى سادتى