جلست على حافة الفراش وفى يدها كوب القهوة بالحليب وهى تنظر إليه وقد بدأت روحه تعود إليه فيتحرك لينقلب على ظهره وتسرع حركة مقلتيه ثم يفتح عينيه فوجدها تمعن النظر إلى وجهه ، اعتدل في الفراش وانزل ساقيه من الناحية الأخرى من الفراش فأخذت تنظر إلى بيجامته من الخلف وقد انشلحت فبانت فانلته البيضاء ، تنحنح وسعل وقام ليدور حول الفراش متجنبا النظر إليها قاصدا الشبشب الذي استقر بجوار قدمها اليمنى وقد ثنت ساقها اليسرى تحت فخذها على الفراش واسندت ظهرها على شباك السرير النحاسي الأصفر اللامع
في طريقه إلى الحمام أتاه صوتها الأجش الخشن بسبب تدخين السجائر
محتاجة متين وخمسين جنيه النهار ده
تمتم بكلمة لم تتبينها
صاحت : بتقول ايه
نظر إلى جهة اليسار وقال : ماشى
أغلق باب الحمام بطريقته المعتادة بدون صوت فهو يمسك بمقبض الباب ولا يتركه حتى تستقر ضلفة الباب مكانها فيترك المقبض فلا يصدر إلا صوت تكة واحدة
نظرت إلى سقف الغرفة وقد زوت ما بين حاجبيها وكأنما أصابتها خيبة الأمل في بدء معركة حامية الوطيس حول النقود التي طلبتها
الراجل جرى له ايه ؟
منذ ثلاثة شهور لم تخض معه اى معركة أو حتى نقاش فهو يوافق على ما تطلبه فورا بدون أن يظهر على وجهه اى نوع من الامتعاض وبدون اى كلمة اعتراض ، لماذا تغير ؟
راقبت سلوكه بدقة لم يبدو عليه اى تغيير فمن المؤكد انه لا يخوض علاقة غرامية كما حدث في الماضي فلا عطور جديدة فقط كولونيا بعد الحلاقة ذات رائحة الليمون الخفيف ولا ملابس ولا حتى كرافتات جديدة
إذا تأخر في العودة إلى المنزل تطلبه على الهاتف الجوال فتسمع ضجيج الشارع ونفير السيارات وتنصت فلا تسمع أصوات ضحكات نسائية ولا موسيقى شبابية بل صوت إذاعة البى بى سى العربية بأصوات مذيعيها المميزة فهو لا يبدل أبدا محطة الإذاعة تلك وهى تعرف انه في أحيان كثيرة لايصغى إلى راديو السيارة المفتوح دائما
اتصلت بشقيقه وشريكه في مكتب مراجعة الحسابات وكلمته بلهجة عادية وسألته عن أخبار زوجته والأولاد ومتى سوف يلتقون ثم عرجت في السؤال إلى العمل وأخباره ومشاكله فاخبرها أن كل الأمور على ما يرام والعمل يسير على نفس الوتيرة
اتصلت بصديقتها الأقرب وطلبت منها الحضور فهي تمر بأزمة عنيفة وتريد أن تفضفض
حضرت صديقتها فاستقبلتها بالأحضان والقبلات ، نظرت إليها الصديقة في انزعاج
مالك يا حبيبتي في ايه ؟
انخرطت في البكاء ولم تستطيع أن تتكلم واستمرت في البكاء والنحيب ودخان السيجارة يلف وجهها ويزيد احمرار عينيها
اسندت رأسها على كتف صديقتها حتى توقفت عن البكاء وهدأت تماما ، انصرفت صديقتها بعد حوار قصير حول الطقس وأخبار المودة والشوبنج
لم تعد لها شهية للطعام ولا للكلام وأصبحت تنخرط في بكاء طويل بدون صوت فقط الدموع تبلل خدودها ومخدتها وأصبحت السيجارة لاتفارق أصابعها وهى شاردة لا يردها إلى وعيها إلا سقوط الرماد الساخن على جسدها
ثم كان ذلك الصباح الشتوي البارد ، بعد خروجه إلى عمله ارتدت ثوبا ابيض وخرجت إلى الشارع ، وقفت في شرود و هي تنظر إلى شاطئ النهر على الناحية الأخرى ، حاولت العبور وانتبهت إلى صوت نفير السيارة المسرعة نظرت إليها وبعد لحظة كانت ملقاة على الأرض مضرجة في دمائها
